مُعينات ودعائم الحفظ الجيد للقرآن الكريم


مُعينات ودعائم الحفظ الجيد للقرآن الكريم

     حفظ القرآن الكريم هدف يسعى إليه الصالحون الراغبون في عظيم الثواب من الله عز وجل ، وهناك مُعينات ودعائم عديدة تعين الطالب على الحفظ وتدعمه في ذاكرته لتبقى الآيات في قلبه وذاكرته يرددها بين حين وآخر ومن الصلاة لأخرى ، وكلما اهتم الطالب بهذه المعينات وحاول تطبيقها أثناء حفظه كلما زاده ذلك حفظا وثباتا وتشجيعا على حفظ المزيد ، ومن تلك المعينات ما يلي :

1-    إخلاص النية لله عز وجل في الحفظ :
     فالله جل وعلا يعين من يحفظ القرآن من أجله ويسهله عليه ، فعلى الطالب أن يحفظ الآيات ابتغاء مرضاة الله لا خوفا من المعلم أو الأب أو للحصول على الدرجات والتفوق على زملائه في الاختبار ، قال تعالى : ) وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ( ، وقال صلى الله عليه وسلم : " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " يعني : ريحها .

2-    الإنصات والتدبر :  
     الإنصات هو الإصغاء بتركيز وانتباه ، وقد ورد الأمر بالإنصات عند تلاوة القرآن الكريم في قوله تعالى : " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " .
     وطريقة الإنصات تسهل الحفظ لوجود التركيز والانتباه ، ويشترط لها الهدوء والخشوع ، وعدم الانشغال بأي شيء ، والمتابعة بلا انقطاع مع استحضار الفكر ، والقلب ، وتدبر كل آية والتحول لما بعدها ؛ لأن " الحفظ عملية عقلية ليست سهلة ولا آلية لا تحتاج لجهد وإنما هي في حاجة إلى انتباه وتركيز وإدراك لتسلسل أجزاء المادة التي تحفظ وترابطها ، وعلى ذلك ينبغي اختيار الوقت المناسب وتوفير الظروف الملائمة لها " .



3- الفهم :
     يعتبر الفهم من العوامل المساعدة في الحفظ حيث يسهل على الطالب حفظ الآيات القرآنية .
وقد أيدت الدراسات الحديثة في علم النفس الحفظ مع الفهم فهو أسرع وأثبت ، وأدعى إلى عدم النسيان ، وأقوى على الاسترجاع .

4- التلقي والترداد :
     لا يؤخذ القرآن إلا بالتلقي ولا يحفظ إلا بالترداد ، فقد تلقاه نبينا صلى الله عليه وسلم من سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام مشافهة ، ثم تلقاه الصحابة رضوان الله عليهم من محمد r ، ثم انتقل إلى التابعين وتابعي التابعين حتى وصل إلينا . لذا يجب أخذه مشافهة من قارئ  متقن ، ولو كان المتعلم ملما باللغة .
ومن أهداف الترداد تخليص ألسنة الطلاب من عيوب النطق ، كحبسة اللسان والتأتأة والفأفأة ، ومنع سريان اللهجة العامية ، وتعويد الطلاب على كيفية الوقوف على الحرف المنون والمتحرك والساكن ، واستيعاب الطلاب نطق الكلمات التي يجدون فيها صعوبة .
5- كتابة الآيات :
     القلم أداة العلم وسلاحه ، والعلم صيد والكتابة قيده ، لذا فإن حرص الطالب على كتابة الآيات القرآنية الكريمة يُيسر عليه الاسترسال في الحفظ مع التقويم الذاتي ، حيث يصحح الأخطاء التي وقع فيها بنفسه مما يؤدي إلى تنشيط الذاكرة ، وعلاج النسيان.

6- التسميع ( عرض القرآن ) :
     يعتبر التسميع من أقوى الطرق لتثبيت الحفظ ، وهو رياضة روحية تزيد الطالب حبا للقرآن الكريم ، حيث تضفي عليه الشعور بالسعادة والفرح وانشراح الصدر حينما ينتهي من تسميع ما حفظ ، كما أن السمع يساعد على الحفظ ، ويعوّد اللسان على نغمة معينة فنتعرف بذلك على الخطأ من خلال وزن النغمة والقراءة المعتادة ، ويشعر القاريء بأن لسانه لا يطاوعه عند الخطأ ، كما أنه يربي على الشجاعة الأدبية ، والجرأة العلمية ، ويحفزهم على مداومة الاستذكار ، والمراجعة المستمرة ، وتجديد النشاط ، وتحفيظ من لم يحفظ من الطلاب ، فإنك تجد الأطفال يرددون آيات سمعوها في مدرسة تحفيظ القرآن ممن هم أكبر سنا منهم .

7- الصلاة بما حفظ من آيات :
     هذه الطريقة شبيهة بالتسميع إن كان المتعلم إماما ، إلا أنها قد تكون أحيانا بدون مسمع كأن يصلي النافلة أو قيام الليل فيتلو ما حفظه ، فالقراءة بين يدي الله تزيد المؤمن قربا منه ، كما أنها أدعى لتثبيت الحفظ ، ومراجعته .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه وورد أنه قرأ في ليلة بسورة البقرة والنساء وال عمران في ركعة .

8- ترداد الآيات فرديا في أوقات مختلفة :
     يختلف هذه الترداد عن الترداد السابق الذي يتبع التلقي من معلم ، ويختلف عن التسميع الذي يتابع به المعلم طلابه ، حيث أن الطالب هنا يستغل أوقات فراغه في ترداد الأيات القرآنية ليتمكن من حفظها ، ففي أثناء ذهابه إلى المدرسة وأثناء رجوعه منها وفي طريقه لجهة معينة أو وجوده في مكان ما يردد الآيات ، فرأس مال الإنسان وقته ، واستغلاله بترداد كلام الله وعز وجل خير عظيم للقاريء .

9- الاستفادة من الوسائل والتقانات التربوية :
     استخدم النبي صلى الله عليه وسلم الوسائل التوضيحية لتقرير وتأكيد المعنى في نفوس السامعين ، وتركيز انتباههم فيه ، مما يساعد على تمام الوعي وحسن الحفظ ، وللتقانات التربوية الحديثة دور  مهم في حفظ الآيات القرآنية فالمسجل الصوتي يعين على الاستماع لتلاوة مقريء متقن ، وجهاز الفيديو يعرض الآيات مع صوت المقرئ وأحكام التلاوة ، وجهاز الكمبيوتر يعرض الآيات وتلاوة المقريء وأحكام التلاوة ، ويسهل الحفظ من خلال ضبط عدد مرات تكرار الآية .

10- الثقة بالنفس والصبر والعزيمة وتقوية الدافع :
     الثقة بالنفس والصبر والعزيمة تساعد الطالب على الحفظ وتقويه ، وللمعلم في ذلك دور مهم من خلال التوضيح لطلابه بأن الله عز وجل قد يسر حفظ كتابه لمن أراد فقال جل شأنه :- ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر ) ، وأن الكثير من المسلمين قديما وحديثا حفظوا القرآن كاملا .
فقد حفظه الشافعي وهو ابن سبع سنين ، والنووي وهو ناهز الحلم ، وابن الجزري وله من العمر ثلاثة عشر عاما.

11- اعتماد نسخة معينة من القرآن الكريم :
     الاستمرار في الحفظ من مصحف ذي رسم واحد يسهل عملية التركيز والتذكر والمراجعة .

12- الدعاء والإلحاح فيه :
     الله عزوجل يعين من يتوجه إليه بالدعاء ، فإذا دعاه الطالب ليسهل عليه حفظ كلامه العظيم فإنه على كل شيء قدير ، و من الأدعية : اللهم ذكرني منه ما نسيت ، و علمني منه ما جهلت ، وارزقني تلاوته آناء الليل ، وأطراف النهار.  وليس الدعاء من قبل الطالب فحسب بل من قبل المعلم والوالدين لأبنائهم .

13- الاستغفار و ترك المعاصي :
     للمعاصي أثر سلبي على الحفظ ، حيث تعيقه و تتسبب في نسيانه .
قال علي بن خثرم : "رأيت وكيعا وما رأيت بيده كتابا قط فسألته عن دواء الحفظ ؟ فقال: ترك المعاصي ، ما جربت مثله للحفظ " . وقال الإمام الشافعي – رحمه الله – عندما تعثر في حفظ ما اعتاد حفظه :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي          فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نـــور          ونور الله لا يهـدى لعاصي
ومما يقي الطالب من المعاصي الصحبة الصالحة ، واغتنام الأوقات بالعلم النافع والدعوة إليه، وكثرة الاستغفار ، وغض البصر عما حرم الله وعن فضول النظر .

14- اغتنام أوقات صفاء الذهن وراحة البال :
     صفاء الذهن وراحة البال يعينان الطالب على الحفظ ؛ لوجود التركيز وعدم الانشغال بشيْ يعيق الحفظ ، ومن تلك الأوقات : قبيل الفجر وبعده ، والوقت الذي بين الأذان والإقامة ، ويوم الجمعة قبل الخطبة ، وقبل النوم ، وبين العصر والمغرب أو المغرب والعشاء ، حيث تتسم تلك الأوقات بالهدوء والسكينة ، وقلة الصوارف والملهيات ، ويكون الطالب فيها هاديء البال ، مستجمع الذهن .



15- ملازمة حلق الذكر :
     لحلق الذكر فضائل عدة منها ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث : " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده ".
ففي حلق الذكر يزداد الإيمان بنزول السكينة ، وتعم الجالسين الرحمة ، وتحفهم الملائكة بأجنحتها إلى عنان السماء ، ولله ملائكة سيارة يتتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا حلقة تنادوا هلموا إلى حاجتكم ، ويباهي المولى عز وجل بالجالسين الملائكة ، ويشهدهم بأنه قد غفر لهم ، فهنيئا لمن وطن نفسه في حلق الذكر وروضها تلك النفحات الربانية .
كما أن مدارسة القرآن في حلق الذكر تسهل على الطالب حفظ الآيات بإتقان ، ففيها تتلى الآيات من قبل شيخ متقن ، وتصحح الأخطاء ، ويتم التسميع على من حفظ ، كما أن النشاط والتعاون على الحفظ ، وإبعاد الملل ، والمواظبة ، والمحافظة على الأوقات .

16- المتابعة :
     متابعة الحفظ ضرورية لتثبيته في الذهن ، فمتابعة الطالب لما يراد حفظه تسهل عليه عملية الحفظ ، كما أن متابعة المعلم لحفظ طلابه تلزمهم حفظ الآيات وأخذها بعين الاعتبار .

17- الثواب والعقاب :
     للثواب والعقاب دور في تدعيم الحفظ فالطالب المتقن يستحق الثواب والتكريم بالثناء الحسن والجائزة التشجيعية ، وإخطار ولي أمره بتفوقه ، وإعطائه الشهادة التقديرية ؛ لأن المكافآت تأسر القلوب وتجدد النشاط وتكسر الخمول وتبعث على الاستزادة من العلم ، وكذلك الدعاء للطالب بالبركة ، كما أن عبارات المديح التي يلقيها المعلم على الطالب لها الأثر الإيجابي في تشجيعه وتشجيع غيره ، لذا لابد من استخدامه في الوقت المناسب وبالقدر المناسب .


18- تناول الغذاء المفيد الذي يساعد على الحفظ :
     الاعتدال في تناول الطعام من آداب طالب العلم حيث أن الإكثار منه يجلب النوم والكسل ، ومع ذلك الاعتدال فإن هناك أصنافا من الأغذية والأعشاب ثبتت بالتجربة أنها تقوي الذاكرة وتنشطها ، وتساعد على الحفظ وتعالج النسيان ، منها ما يلي : الزنجبيل والتمر والعسل والشاي والزبيب الأسود والزعتر والزيتون وزيته والجرجير وعسل التمر واللوز والخوخ والتين والجزر ، ولعل إجراء التجارب العلمية في هذا المجال سيؤكد ذلك أو ينفيه .

19- تعليم القرآن :
     تعليم القرآن للآخرين يعين المعلم على الحفظ ومراجعة ما حفظ ، حيث أن تكراره للآيات في التعليم وتكرار سماعه يسهل عليه الحفظ والمراجعة ، لذا فإن على المعلم أن ينصح طلابه المتقنين للتلاوة بأن يحفّظوا الآيات لإخوانهم في البيت ، وأن يساعدوا زملاءهم الذين لم يتقنوا التلاوة .